ابن حزم
734
الاحكام
إنما يعني التوحيد الذي لم يختلفوا فيه أصلا . واحتجوا بقوله تعالى : * ( فبهداهم اقتده ) * . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لان الذي أمرنا أن نقتدي بهم فيه هو ما اتفقت فيه شريعتنا وشريعتهم مثل قوله تعالى : * ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله فأما باقي الآية في قوله تعالى : * ( وبالوالدين إحسانا ) * فلم نأخذه من هذه الآية ، لكن من أمر الله تعالى لنا بذلك في آية أخرى . ومثل قوله عز وجل : * ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) * . فنص تعالى على أنهم كلهم أمروا ألا يتفرقوا في الدين ، وهذا هو نفس إخباره عليه السلام أن دين الأنبياء عليهم السلام واحد ، وقد نص الله تعالى على أنه أمر بعضهم بترك العمل في السبت ، ولم يأمرنا نحن بذلك ، وأحل الخمر مدة وحرمها بعد ذلك ، فصح يقينا أن الذي نهوا عن التفرق فيه . وأن الذي شرع لجميعهم من الدين الواحد إنما هو التوحيد ، وأن الذي فرق فيه بينهم هي الشرائع والأعمال الواجبات والمحرمات وهذا هو نفس قولنا . وقد قال تعالى : * ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) * وقال : * ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ) * قال تعالى : * ( ولكل وجهة هو موليها ) * فصح بالنص أنه تعالى فرق بين الشرائع ، وبين منهاج كل واحد منهم ، وبين وجهة كل واحد منهم ، وقد قال تعالى : * ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) * . فصح أن الله تعالى لا يتناقض كلامه ، وصح أن الذي أمرنا أن نتبع فيه سننهم هو غير الشرائع التي فرق بيننا وبينهم فيها ، فصح أنه التوحيد الذي سوى فيه بينهم كلهم في التزامه ، فصح أنه هو الهدى الذي أمر صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بهم ، ويبين ذلك أيضا قوله تعالى حاكيا عن رسوله يوسف عليه السلام أنه قال : * ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ) * . قال أبو محمد : فبين نصا أنهم اتفقوا في التوحيد خاصة ، وإلا فقد نص تعالى على أن إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام حرم على نفسه أشياء كانت له حلالا ،